أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

375

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والاصطفاء : الاختيار افتعال من صفوة الشيء وهي خياره ، وأصله : اصتفى إنما قلبت تاء الافتعال طاء مناسبة للصاد ، لكونها حرف أطباق ، وتقدم ذلك عند قوله : « أضطره » « 1 » وأكد جملة اصطفاء باللام ، والثانية بأن واللام ، لأن الثانية محتاجة لمزيد تأكيد ، وذلك أن كونه في الآخرة من الصالحين أمر مغيب فاحتاج الإخبار به إلى فضل توكيد ، وأما اصطفاء اللّه له فقد شاهدوه منه ، ونقله جيل بعد جيل . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 131 إلى 132 ] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) قوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ : في « إذ » خمسة أوجه : أصحها أنه منصوب ب « قال أسلمت » أي : قال أسلمت وقت قول اللّه له أسلم . الثاني : أنه بدل من قوله « في الدنيا » . الثالث : أنه منصوب باصطفيناه . الرابع : أنه منصوب ب « اذكر » مقدرا ذكر ذلك أبو البقاء والزمخشري ، وعلى تقدير كونه معمولا لاصطفيناه أو ل « اذكر » مقدرا يبقى قوله : « قال أسلمت » غير منتظم مع ما قبله ، إلا أن يقدر حذف حرف عطف أي : فيقال : أو يجعل جوابا لسؤال مقدر أي : ما كان جوابه ؟ فقيل : قال أسلمت . الخامس : أبعد بعضهم فجعله مع ما بعده في محل نصب على الحال ، والعامل فيه « اصطفيناه » . وفي قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ التفات إذ لو جاء على نسقه لقيل : إذ قلنا لأنه بعد ولقد اصطفيناه ، وعكسه في الخروج من الغيبة إلى الخطاب ، قوله : 734 - باتت تشكّى إليّ النّفس مجهشة * وقد حملتك سبعا بعد سبعينا « 2 » وقوله : لِرَبِّ الْعالَمِينَ فيه من الفخامة ما ليس في قوله « لك » أو « لربي » لأنه إذا اعترف بأنه رب جميع العالمين ، اعترف بأنه ربه وزيادة بخلاف الأول ، فلذلك عدل عن العبارتين ، وفي قوله : « أسلم » حذف مفعول تقديره : أسلم لربك . قوله تعالى : وَوَصَّى : قرئ من وصى ، وفيه معنى التكثير باعتبار المفعول الموصى ، وأوصى رباعيا وهي قراءة نافع وابن عامر ، وكذلك هي في مصاحف المدينة والشام ، وقيل أوصى ووصى بمعنى . والضمير في « بها » فيه ستة أقوال : أحدها : أنه يعود على الملة في قوله : « ومن يرغب عن ملة إبراهيم » .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 126 ) . ( 2 ) البيت للبيد انظر ديوانه ( 352 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 395 ) ، الطبري ( 1 / 52 ) ، الأضداد ( 117 ) .